محمد جليد يكتب: ما الذي يجري في مستشفياتنا؟

محمد جليد محمد جليد

.

الباعث على طرح السؤال الوارد في عنوان هذه الافتتاحية تشكي بعض المواطنين من الخدمات الطبية التي ساءت في كثير من المستشفيات والمستوصفات العمومية والمصحاتالخاصة، وكذا تشكيهم من المعاملات السيئة لبعض موظفي القطاع الصحي، عامه وخاصه، مع الراغبين في الاستفادة من الخدمات العلاجية والاستشفائية، وملاحظاتهم حولالإهمال في النظافة وترتيبات البروتوكول الصحي وغير ذلك.

فعلى سبيل المثال، تلقيت مكالمة هاتفية، قبل بضعة أيام، من مواطن بمدينة الناظور يحتج على ما يحدث داخل المستشفى الحسني، خاصة داخل قسم الولادة، من سوء تعامل معالمرتفقين. وكانت الجريدة قد توصلت باتصالات مماثلة من مرتفقي مستشفى الشيخ خليفة بالدار البيضاء، مضمونها التشكي من تأخر نتائج الاختبارات المتعلقة بفيروس كورونا،والذي وصل في بعض الأحيان إلى اثني عشر يوما (كما أشارت الجريدة إلى ذلك في مقال إخباري لها ضمن عدد أول أمس الاثنين). كما نسمع من مواطنين كثيرين، ممن تظهرعليهم أعراض الإصابة بالفيروس اللعين أو يشكون في ذلك، أنهم لا يجدونإلا نادرا طبعامن يرد على مكالماتهم، سواء في ما يتعلق بالرقم الأخضر أو الرقم الخاص بالمساعدةالطبية الاستعجالية. وكنا تابعنا جميعا الصور المقلقة التي انتشرت من داخل بعض المستشفيات في مراكش وطنجة ومدن أخرى، لمرضى طريحي الممرات أو المهملين أمام البواباتالخارجية، الخ. كما سمعنا نداءات لأطباء وطبيبات يناشدون المواطنين الالتزام بإجراءات الوقاية من الفيروس، لأن مؤسساتهم باتت عاجزة عن رعاية جميع الحالات الواردة عليها.

وإذا كنا نرى أن هذا الواقع يتكرر بصورة مأساوية داخل مؤسساتنا الطبية، حيث بتنا نتعايش معه منذ سنوات، بل منذ عقود، فإن ذلك لا يعني التطبيع مع هذه الانحرافاتوالاختلالات في مجال الرعاية الصحية من جهة، ومع النقص الحاد الذي تعانيه هذه المؤسسات، سواء من حيث الموارد البشرية أو المعدات والتجهيزات، من جهة ثانية. إذ من واجبالوزارة أن تبادر فورا إلى إصلاح منظومة الرعاية الصحية. ذلك أن اللحظة الراهنةلحظة الجائحة المتفشيةتمثل فرصة مثالية لخوض هذه المغامرة الضرورية والملحة. فمن غيرالمعقول ألا تفتح الكثير من المستوصفاتخاصة في العالم القرويإلا مرة أو مرتين في الأسبوع، وألا يتوفر مستشفى في مدينةكتنغيرعلى جهاز «سكانير»، وأن تتواصلمعاناة النساء مع الولادة في كل القرى والبلدات، بل حتى في المدن الكبرى، وأن ترمى أدوية إلى حاوية القمامة بعد فوات آجال استعمالها، أو ألا تتوفر أصلا بصيدلياتالمستشفيات

سيقال إن اللحظة الراهنة تستدعي مواجهة الفيروس، لا الدخول في هذه المغامرة التي تحتاج إلى تأن وطول نظر. أجل، هذا اقتراح سديد. صحيح أن «كوفيد19» بات أشرس مماكان عليه لحظة تسلله إلى البلاد في مارس الماضي. وصحيح أن تجاوز عدد الإصابات عتبة مائة ألف يقتضي تركيز الجهود على هذا الجانب قصد التغلب على الفيروس اللعين،وتجنيب البلاد مصيرا كارثيا كالذي عاشته في جوائح وأوبئة خطيرة سابقة (الطاعون، بونتاف، بوكليب، القرينة…).

لكن، يصح القول، في المقابل، إن الوضع الكارثي في منظومتنا الصحية العامة والخاصة، والذي كشفته الجائحة، يستلزم تصحيح الخطأ الفادح الذي ارتكبته الحكومات المتعاقبة منذثمانينيات القرن الماضي؛ ونقصد بذلك الخضوع غير المدروس لإملاءات برنامج التقويم الهيكلي الذي أدخل المغرب، منذ سنة 1983، في متاهة تدبيرية قاتلة جعلت الوزراء المتعاقبينيخبطون خبط عشواء في هذا المجال. فلا البلد خرج من المديونية الضخمة التي يدين بها للمؤسسات المالية الدولية الكبرى، ولا هو كسب منظومة صحية (وتعليمية أيضا) بتفويتهمؤسسات القطاع الصحي إلى الخواص، بل رهن هذا القطاعالذي يكتسي حيوية كبيرة بالنسبة إلى المواطنينلتجار يهتمون بالمداخيل والأرباح، أكثر من اهتمامهم بالرعايةالصحية وتطوير الخدمات، والاستفادة من التطورات الهائلة في مجالات العلاج المختلفة، والإسهام في البحث العلمي المحلي في مجال الطب والصيدلة.

للأسف الشديد، يبدو أن الخطاب الرسمي لا يساير إرادة المغاربة الذين باتوا يحتجون كثيرا اليوم على خدمات ساءت جودتها إلى حد كبير داخل المستشفيات العمومية، ويستنكرونبشدة الممارسات اللاقانونية واللاأخلاقية التي تمارسها المصحات الخاصة (من أسعار باهظة، وفرض لخدمات طبية غير ضرورية مثل العمليات القيصرية في حالات الولادة، وتفاوتكبير في الفاتورتين الأولية والنهائية، الخ.). إذ يبدو أن رئيس الحكومة ووزير الصحة سادران في تجاهلهما هذه الاحتجاجات والاستنكارات، حيث لا يهتمان ولا يباليان بما يجري حقاداخل مستشفياتنا. والجواب كلما سئلا عن صحة البلاد والعباد يكون بلا حياء: «نجحنا بشهادة العالم والتاريخ والأرقام والخبراء!؟».