مصطفى السحيمي يكتب: المغرب وإسرائيل.. سلام، شالوم

مصطفى السحيمي مصطفى السحيمي

.

“اختراق تاريخي”، العبارة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب معلقا عن الاعتراف المغربي بدولة إسرائيل يوم 10 دجنبر الحالي، وهي حتما ليست عبارة تعسفية. إنه تطبيع يتوج مسارا مرهقا من العلاقات المختلفة عمليا عما كان سائدا في الماضي حول ارتباط دول عربية بعلاقات رسمية مع إسرائيل. المغرب هو رابع دولة عربية تعترف بدولة إسرائيل بعد اتفاق أبراهام الموقع يوم 15 شتنبر الماضي في واشنطن، تحت إشراف رئيس السلطة التنفيذية الأمريكية، دونالد ترامب. فبعد كل من مصر في 1978 والأردن في 1994، يعزز المغرب اليوم معسكر السلام إلى جانب كل من الإمارات العربية المتحدة والبحرية والسودان. دول عربية سوف تسلك المسلك عينه دون شك في المستقبل القريب، وستركز الاهتمام بالخصوص على المملكة العربية السعودية… وقد صرّح صهر دونالد ترامب، ومستشاره جاريد كوشنير بهذا الخصوص، أن المضي نحو السلام بات أمرا “حتميا”.

ضمن هذه المجموعة الأولى من الدول العربية، يتميز المغرب بخصائص معينة. فالتطبيع مع إسرائيل لا يمرّ عبر اتفاقيات سلام كما هو الحال مع كل من مصر والأردن. ويتميز المغرب أيضا، وذلك منذ عقود، بإرادة واضحة للقيام بمساع حميدة والدعوة إلى استئناف مسار الحوار والتفاوض بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. يتم ذلك عبر قنوات دبلوماسية متعددة، منها ما هو سري ومنها ما هو علني كما كان الأمر مع اللقاء بين الملك الراحل الحسن الثاني والوزير الأول الإسرائيلي شمعون بيريز عام 1986 بمدينة إفران. وقد حافظت الرباط دائما على موقف داع إلى سلام مستقر ودائم، بالإضافة إلى رئاسته لجنة القدس منذ أكثر من أربعة عقود في شخص العاهل المغربي، الحسن الثاني ثم محمد السادس. ووضعية المدينة المقدسة هي واحدة من أعقد الملفات الموجودة في جدول الأعمال حاليا.

زيادة على كل ذلك، هناك جالية إسرائيلية من أصل مغربي تناهز مليون شخص، تحافظ على ارتباط حي بالمملكة. ففي الحكومة الحالية لنتنياهو، هناك ما لا يقل عن عشرة وزراء ينحدرون من هذه الجالية. كما أن العلاقات التجارية استمرت على الدوام، إلى جانب تعاون اقتصادي في مجالات مثل الفلاحة، علاوة على تدفقات سياحية باتت في العام 2019 تناهز 90 ألف شخص.

نحن اليوم أمام إطار جديد للعمل الدبلوماسي، يمنح انتشارا جديدا للدبلوماسية المغربية الآخذة في التوسع بشكل متوهج، خاصة بعد اعتراف واشنطن بالسيادة الكاملة للمملكة على الصحراء، كما أعلن ذلك بلاغ رسمي صادر عن الديوان الملكي، ومرسوم رئاسي أمريكي صدر في اليوم نفسه، مع دخوله حيّز التنفيذ بشكل فوري. وهناك، أيضا، قرار فتح قنصلية أمريكية في مدينة الداخلة، ليتبدد أي شك حول وجود حدث كبير سوف يطبع قضية الصحراء مستقبلا. فجميع الأطراف باتت مجبرة على الأخذ بعين الاعتبار الموقف الأمريكي الجديد.

القرار الأمريكي الجديد سوف ينزل بثقله على تمثل القضية الوطنية للمغرب على الصعيد الدولي. يهم ذلك دول الاتحاد الأوروبي إلى جانب بريطانيا والدول الإفريقية حيث يوجد المربع الأخير للدول الداعمة للحركة الانفصالية، خاصة منها نيجيريا وجنوب إفريقيا وأنغولا، ثم داخل منظمة الأمم المتحدة حيث يتولى مجلس الأمن الدولي معالجة هذا الملف. فمواقف المنظمة الأممية تبقى مرضية بالنسبة إلى المغرب، وآخرها قرار مجلس الأمن الدولي الصادر شهر أكتوبر الأخير، والذي دعا إلى حل سياسي وواقعي وبراغماتي، مع تزكيته لشكل التفاوض الذي تم مؤخرا، أي الطاولة المستديرة رباعية الأطراف، وتأكيد مسؤولية الجزائر كطرف معني بالنزاع، وسمو المبادرة المغربية للحكم الذاتي، والتي وصفت منذ إعلانها في 11 أبريل 2007 في ما لا يقل عن 38 قرارا بالجادة والواقعية وذات المصداقية.

في الوقت عينه، يعترف المغرب رسميا بدولة إسرائيل. وهناك الكثير مما يمكن قوله بهذا الخصوص. هل كانت هناك “صفقة” أم لا؟ يعتقد وزير الخارجية والتعاون أن هذا السؤال يحتاج إلى إعادة تأطير هذا التأويل. فالاتصالات مع واشنطن لم تتوقف منذ أكثر من سنتين، أما مع تل أبيب، فقد أكد أن العلاقات كانت “عادية” منذ سنوات، بعضها سري وبعضها الآخر عبر قنوات غير رسمية. لكن، وفي قلب هذه المعادلة، واصل المغرب تقديم دعمه الكامل للقضية الفلسطينية. عقود من التضامن الفاعل يشهد على ذلك داخل المنظمات الإقليمية والدولية، مع الثبات على مبدئين: دولتان تعيشان في سلام، والحفاظ على وضعية القدس، باعتبار الملك رئيسا للجنة القدس.

لا بد من الإشارة في الختام إلى انعكاسات العلاقات الجديدة مع إسرائيل على السياسة الداخلية للمغرب. هناك توجّه واضح عبّرت عنه قيادة حزب العدالة والتنمية، حيث عبّر أمينه العام سعد الدين العثماني طيلة السنتين الماضيتين، عن رفضه لهذا “التطبيع” مع ما كان يسميه “الكيان الصهيوني”. إنه تدخل في مجال لا يندرج ضمن اختصاصاته وهو مجال السياسة الخارجية للمملكة، والتي تعتبر من الصلاحيات الملكية، وقد سبق لنا دعوته إلى إعادة قراءة الدستور. ثم ما هو الوضع اليوم؟ وزيره في التشغيل محمد أمكراز يمنح استجوابا لقناة “الميادين” المقربة من تنظيم حزب الله وايران، معبرا عن موقف ضد التطبيع. موقف قال إنه يعلنه باسم الشعب المغربي. من منحه هذه الولاية؟ أما العثماني فأعلن يوم الثلاثاء الماضي إلى وحدة وطنية بدونها لا يمكن تحقيق انتصارات كبيرة. يبقى أنه من الضروري الانكباب على المحددات المرجعية لهذا الإجماع، ومضمونه وأبعاده. وما هي نواته الأساسية؟

سلام.. وشالوم أيضا