التعديل الحكومي في الجزائر.. هل تنجح “مسكِّنات” النظام في كتم أنفاس الحراك؟

التخويف في الجزائر التخويف في الجزائر

.

مستبقا الذكرى الثانية لانطلاق الحراك الاحتجاجي، الذي يحييه الشعب الجزائري، اليوم الاثنين، أجرى الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، تعديلا حكوميا جزئيا، وصف بأنه “روتوش” لمحاولة تسكين الاحتجاجات، مع الحفاظ على جوهر النظام السلطوي في البلاد.

والتعديل، الذي أعلنه تبون، ليلة أمس الأحد، لم يشمل القطاعات الاستراتيجية، ولم يحرك رئيس الوزراء، عبد العزيز جراد، من مكانه، بل اقتصر على تعديلات في قطاعات المالية، والتجارة، والزراعة، والإسكان، والبيئة، والسياحة.

وفي قراءة التعديل، الذي عرفته الجارة الشرقية، قال أحمد نور الدين، الباحث في القضايا الدولية والاستراتيجية، في حديثه لـ”اليوم 24″، إن التعديلات شملت قطاعات غير استراتيجية، مثل قطاعات السكن، والسياحة، والبيئة، والماء، والإحصاء، هي قطاعات لا تؤثر في عمق الأزمة البنيوية، التي يعرفها النظام الجزائري، إذ بات يتخبط في أزمة اجتماعية، وسياسية، واقتصادية، تؤرق المواطن.

وعلى الرغم من التعديل المحدود، إلا أن الاقتصار عليه في تحليل الإعلان الرئاسي الجزائري يبقى سطحيا، حسب نور الدين، موضحا أن الاشكال الأعمق هو التوقيت، الذي أعلن فيه الرئيس عن التعديل، وحل البرلمان، وانتخابات جديدة، إضافة إلى إطلاق سراح بعض معتقلي الرأي من المعارضة السياسية، مثل رشيد نكاز، أو من صناع الرأي، أو صحافيين، مثل خالد الدرارني.

والخطوات الثلاث – إطلاق سراح المعتقلين، وحل البرلمان، وتعديل الحكومة – هي الوصفة، التي تلجأ إليها غالبية الأنظمة الشمولية، كمسكنات ضد الأزمات، أو الارتجاجات، أو الزلازل، التي تمر بها.

والطابع السطحي للتعديلات، التي يقودها تبون، هي محاولة للاتفاف، وخنق االحراك الشعبي، الذي تعرفه البلاد، حيث أكد المحلل أن “التوقيت غير بريء، لأنه يأتي، قبل أيام قليلة من ذكرى الحراك، وبالتالي تتضح أسباب نزوله، التي تؤكدها الطبيعة السطحية للتعديل، وذلك في وزارات غير ذات نفوذ، وحتى لو مس كل الحكومة ستبقى روتوشات للنظام”.

وعلى الرغم من المسكنات، التي أطلقها تبون لمحاولة تهدئة الشارع الجزائري الغاضب، عبر إطلاق سراح المعتقلين، وحل البرلمان، وتعديل الحكومة، إلا أنها “حيلة لن تنطلي على الشعب الجزائري” كما يرى المحلل، لأن هذا الشعب، حسب قوله جرب كل هذه الوصفات خلال عشرين سنة من حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، إذ إنه هو الآخر واجه غضب الشارع بتعديل الدستور الجزائري مرتين، وأجرى تعديلات حكومية، إلا أن “مسكناته” قوبلت بجواب واضح من الشعب، الذي فهم أن الرئيس، الذي أمامه ليس إلا واجة لنظام عسكري، يحاول تحوير الصراع، وتوجيه الرأي العام نحو أحداث ثانوية.

و”الروتوشات”، التي دأب عليها حكام الجزائر، لتسكين غضب المواطن، بات الشارع يرد عليها بوضوح، حسب نور الدين، وذلك بالمطالبة بإسقاط حكم العسكر، واستعادة الدولة المدنية وإسقاط النظام، مضيفا أن احتجاجات الجزائر كانت متفردة بين الاحتجاجات، التي عرفتها كل الدول العربية، منذ عام 2011، وذلك برفعها لشعار لم يرفعه أي شعب من شعوب المنطقة من قبل، وهو “الشعب يريد الاستقلال”، في دليل واضح على أن الشعب الجزائري يعتبر نفسه “محتلا من العصابات”.

وخلص أحمد نور الدين إلى أن ما يقدم عليه الرئيس الجزائري من إعلانات، منذ عودته من رحلة علاجه الطويلة في ألمانيا، ليس إلا واجهة لمحاولة النظام الالتفاف على المطالب الأساسية للشعب، مشددا على أن درجة الوعي، التي يتسم بها الشعب الجزائري، جعلت “الألاعيب مفضوحة”، خصوصا أنه “في السابق كانت الأنظمة تتحكم في الإعلام، وتطيل أمد البروباكاندا، ولكن اليوم هناك شبكات التواصل الاجتماعي، التي تنقل الحقيقة”.

إن عدم خضوع الشعب الجزائري لـ”مسكنات” النظام، تعكسه، حسب أحمد نور الدين، الاحتجاجات الحاشدة، التي عرفتها عدد من المدن، خلال الأيام الأخيرة، منها مدينة خراطة، التي على الرغم من صغرها، شارك الآلاف من أبنائها في الاحتجاجات ضد النظام.

وما يزكي عدم استجابة الشعب لـ”مسرحية التعديل”، كون الأزمة الاجتماعية، والاقتصادية، التي دخلت فيها البلاد، أعمق بكثير، وتعكسها الإضرابات في كل القطاعات، ومردها انهيار العملة، والنسب الكبيرة من التضخم، إذ تشير الأرقام الرسمية لديوان الإحصاء الجزائري إلى أنه سجل ارتفاع في الأسعار، يقدر ما بين 20 و40 في المائة، خلال شهرين فقط، وانخفاض العملة المحلية بـ20 في المائة.

كما أن ارتباط الاستهلاك في الأسواق الجزائرية بشكل كبير بالاستيراد، فاقم معاناة المواطنين، الذين وجدوا أنفسهم أمام أسعار ملتهبة في الأسواق، تضاعفت أسعارها، خلال فترة وجيزة، بما يصل إلى 50 في المائة، وسط توقعات بأن يتسبب تضرر القدرة الشرائية في تعزيز الالتفاف حول مطالب الحراك، والفطنة بما يحاك ضد الشعب، وهو ما بدأت تعكسه عدد من المؤشرات، منها شبه المقاطعة للانتخابات الرئاسية، وللاستفتاء حول الدستور، وهي الاستحقاقات، التي أقر النظام بتدني نسب المشاركة فيها، على الرغم من أنه يفتح باب التصويت أمام حاملي السلاح في الشرطة، والجيش.